الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

152

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وكأنما ينأى بجانب دفّها ال * وحشيّ من هزج العشي مؤوم « 1 » فالمفاد من قوله : وَنَأى بِجانِبِهِ صد عن العبادة والشكر . وهذا غير المفاد من معنى أَعْرَضَ فليس تأكيدا له ، فالمعنى : أعرض وتباعد . وحذف متعلق أَعْرَضَ وَنَأى لدلالة المقام عليه من قوله : أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ ، أي أعرض عنا وأجفل منا ، أي من عبادتنا وأمرنا ونهينا . وقرأ الجمهور وَنَأى بهمزة بعد النون وألف بعد الهمزة . وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر وناء بألف بعد النون ثم همزة . وهذا من القلب المكاني لأن العرب قد يتطلبون تخفيف الهمزة إذا وقعت بعد حرف صحيح وبعدها مدة فيقلبون المدة قبل الهمزة لأن وقوعها بعد المد أخف . من ذلك قولهم : راء في رأى ، وقولهم : آرام في أرام ، جمع رئم ، وقيل : ناء في هذه القراءة بمعنى ثقل ، أي عن الشكر ، أي في معنى قوله تعالى : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [ الأعراف : 176 ] . وجملة وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً احتراس من أن يتوهم السامع من التقييد بقوله : وَإِذا أَنْعَمْنا أنه إذا زالت عنه النعمة صلح حاله فبين أن حاله ملازم لنكران الجميل في السراء والضراء ، فإذا زالت النعمة عنه لم يقلع عن الشرك والكفر ويتب إلى اللّه ولكنه ييأس من الخير ويبقى حنقا ضيق الصدر لا يعرف كيف يتدارك أمره . ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة فصلت [ 51 ] وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ كما سيأتي هنالك . ودل قوله : كانَ يَؤُساً على قوة يأسه إذ صيغ له مثال المبالغة . وأقحم معه فعل ( كان ) الدال على رسوخ الفعل ، تعجيبا من حاله في وقت مس الضر إياه لأن حالة الضر أدعى إلى الفكرة في وسائل دفعه ، بخلاف حالة الإعراض في وقت النعمة فإنها حالة لا يستغرب فيها الازدهاء لما هو فيه من النعمة . [ 84 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 84 ] قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 )

--> ( 1 ) أراد أنها مجفلة في سيرها نشطة ، فهي حين تسير تميل إلى جانبها كان هرا يخدش جانبها الأيسر فتميل إلى جهة اليمين ، أي لا تسير على استقامة ، وذلك من نشاط الدواب .